Le blog du groupe Utopia-666, consacré à la culture et à la liberté d'expression, contre la connerie qu'essaie de nous transmettre le journalisme arabe d'aujourd'hui!
سنة 2009 حافلة بالمواعيد والأحداث المصطنعة من احتفالات بمائويات وخمسينيات لعل أهمها في تونس تلك المتعلقة بأبي القاسم الشابي، هذا الذي يسمونه "شاعر الخضراء"، هذا الذي جعلوا منه كل شيء وحولوه في نهاية الأمر، على الأقل بالنسبة لي، إلى شيء لا قيمة له. قد يلومني البعض على قول كهذا في حق شاعرهم المجيد ولكن الأكيد أن الكثيرين سيقيمون الدنيا وسيعكفون على تفصيل شتائم من كل نوع ولون ردا على كلامي الذي سيؤولونه حتما كل حسب درجة حماقته أو نفاقه. في بداية الأمر ونهايته، بما أني لست من المتزمتين الغارقين في أفكارهم الرافضين لأفكار الغير مهما كانت المسافة التي تفصلها عن المنطق والحقيقة ودون أن يكلفوا أنفسهم عناء التفكير ولو للحظة في إمكانية أن يكون الرأي الآخر على صواب ولو بنسبة ضئيلة، فكل الكلام الذي يمكن أن يأتي ردا على كلامي فارغ ولا يمتلك من الشرعية شيئا يمكن أن أرتكز عليه لتفهمه، لذلك سيطول كلامهم بعد هذا المقال دون أن يحضوا مني برد...
تمجيد الموتى أقبح في نظري من الوثنية، رغم أنهما يشتركان معا في بعض التفاصيل والأوجه. في الوثنية يعبد الإنسان صنما أو وثنا أو حيوانا أو إنسانا – كما كان الحال في بلاد الفراعنة – حيث يعطونه قدرات إلهية ويتمسحون على أعتابه ويقدمون له القرابين تقربا وخشون غضبه. نفس الشيء تقريبا يحصل عندما ينهمك الناس في الإحتفال بأحد موتاهم: تكريم بعد تكريم (فهل كرموه عندما كان حيا؟ - أتذكر هنا كلمة علي الدوعاجي "مات يتمنى في عنبة، مات جابولو عنقود" التي قالها في وصف حال "فنان الغلبة".) وتداول على دراسته والإحاطة بكل جوانب الموجودة وغير الموجودة في آثاره في ضوء القديم والجديد من النظريات لينتهي الأمر بهم إلى تكوين صورة مغايرة تماما للتي كان عليها موضوعهم، صورة لا تنطبق على الأصل ولا تمت إليه بصلة. فقد جعلوا من أبي القاسم الشابي شيئا بين الروح والملائكة (لا أؤمن بوجود أي منها...!) وجعلوا منه عبقريا وألبسوه من الأسماء ألوانا وأشكالا في حين أن شعره عادي جدا.. وقد فعلوا الشيء نفسه مع نزار قباني فأصبح لكثرة تداول إسمه وتكرار نفس العبارات حوله أشبه بعاهرة عبقرية، إذا صح التعبير... وهذا يجعلني أتساءل: "لم يتفق العرب قط حول موضوع، فكيف حدث وأن إتفقوا حول هؤلاء وأمثالهم؟" الكل يمجد والكل يمدح والكل يثني ولا أحد يعترض أو يعارض...؟ لكن ألا يمكن أن يكون الخوف هو السبب؟ نوع من الخوف لا علاقة له بشخص هذا الشاعر أو ذاك بل بالذين يقفون مكانه بعد رحيله والذين لا يكفوا عن مديحه واستعراض خصاله ومزاياه...؟ هو الخوف، نفس الخوف الذي يحس به الإنسان تجاه الكاهن الراعي لشؤون إله ما، خوف غير مباشر...
ولهذا التمجيد غايات متعددة لا يتجرأ أحد على الإفصاح عنها، رغم أنها واضحة وجلية. فهذا التمجيد وهذه الإحتفالات بولادة ذاك أو وفاة هذا الكاتب ليست إلا محاولة يائسة لملء الفراغ الثقافي الذي يعاني منه المشهد الثقافي العربي منذ زمن بعيد. عند الغربعلى الأقل هناك حركية كبيرة ودائمة وكتاب يشتغلون ومطابع تنشر الكتب والمصنفات ومجلات تنقد وسلسلة طويلة من الأعمال والمؤسسات تشتغل في الحقل الثقافي دون كلل أو ملل، فعندما يحتفلون مثلا بمرور مائة عام على رحيل "أرتور رامبو" لن يكون هذا الحدث مناسبة لإعادة نشر أعماله لأن أعماله لم تكف أبدا عن الصدور في أحجام مختلفة وعلى وسائط متنوعة أيضا في حين أن الأمر عند العرب يأخذ أشكالا أخرى لدرجة أن بعض أشباه الكتاب والنقاد لا يظهر إلا في مناسبات كهذه لإلقاء محاضرة أو للإدلاء برأي ما... مما يجعلنا نشكك في مصداقيتها. فأين هم في ما تبقى من السنة؟ لست أدري، فهم كتاب مناسبات فارغون كالطبل.
وفي هذا الملء المرتبط بالمناسبات والمواعيد، يجب التنبيه إلى جريمة كبيرة يقع ضحيتها القاريء بالدرجة الأولى، فهذا التمجيد وهذه الطبول التي تقرع محاولة يائسة لطمس معالم الحاضر بكل سلبياته – وسلبياته أكثر بكثير من إيجابياته – سعيا وراء أمجاد ماض مصطنع في ظل نزاعات مشبوهة. هي جريمة تزوير مزدوجة: فلا الحاضر حاضر واقعي ملموس (لأن المتلقي يعتقد في نهاية الأمر أن الحركة الثقافية مزدهرة وأن الثقافة تحضى باهتمام كبير وبدعم سياسي واقتصادي لا مثيل له في حين أن الحركة نفسها منعدمة وأن الثقافة الوحيدة التي تحضى بالإهتمام والدعم تتوقف عند الغناء والرقص والتهريج المجاني) ولا الماضي حقيقي (لأنه بسبب كثرة التأويلات المجانية والمحاضرات المهتمة بكل شيء وبأي شيء وبسبب التسيير المسبق سياسي الأغراض يصبح لدى المتلقي كم هائل من الأفكار المتضاربة تؤدي في نهاية الأمر إلى تشويه صورة الماضي وتحويله إلى شيء آخر لا يمت للماضي الأصلي بصلة).