.
كأن عبده قاعي في الكتاب الذي كتب فيه واستكتب يريد ان يعمّر كل الخرائب او ان يعيد تشكيل كل شيء!
من روضة المادي الى تجسيد المعنوي!
يريد ان يحيي الثابت بالمتغير ويحمي المتغير بالثابت!
في جو يتنازعه نزوعان، نزوع القطع بين الموروث والمستجد ونزوع استحضار الموروث مثالاً تاماً وناجزاً.. اي قتل الماضي بالمستقبل أو خنق المستقبل بالماضي!..
وفي المحصلة لبنانياً الغاء لبنان الكلي بمكوناته، او الغاء هذه المكونات بلبنان..
وكأننا في خيار حصري، بين الوحدة الفقيرة والمفخخة وبين التعدد النازع الى التشظي.
هل المسألة سياسية او اجتماعية او ثقافية؟
يريد عبده من خلال ما يقوله ويستدرجه من اقوال بأن الثقافي ـ والروحي ـ شرط للسياسي والاجتماعي، وأن ما شهدناه عن انتكاسات في السياسة والاجتماع، اي العمران والنمو، لم ليكون لو ان الشرط الثقافي لإدامة النهوض كان متحققاً.
ويتواطأ عبدو قاعي، في هذا الكتاب، مع نفسه، ويحاول ان يواطئنا على أمثولة لبنانية انسانية، روحية تتوهج في المادة، ومادية تتروحن في الايمان، الذي يمر بالانسان فيبلغ السماء.. فان لم يمر لم يصل والغى ذاته بذاته..
وينتبه عبدو قاعي الى ان المعرفة هي الشراكة، وأن من ينتج معرفته وحده يصنع جهالة.. قد تسمى معرفة.. تسمية للضد بالضد.. على هاجس الشراكة يميل عبدو قاعي الينا عارفاً بأننا ميالون الى ما يميل اليه.. وأننا مرصودون بالإحباط الذي كلما ازدادت دواعيه ازداد طموحنا الى تحويل الناس الى بدايات رجاء.. من قال ان كل الرابحين اغنى من كل الخاسرين؟ على ان الخسارة في الحياة الثقافية هي بنت الإبداع وأمه..
لا يتعب عبدو قاعي.. ولولا هذا التعب الجميل بالانشغال والاشتغال على المعنى، لأصابنا العياء والرهق، ولشاخت افكارنا واندلقت محابرنا وتكسرت اسلاؤنا في آماقنا.. وذهبت أوراقنا طعماً للنار والريح.. فماذا نحن صانعون؟؟
هذا السؤال المفتوح على الأسئلة؟ لا اريد له ان يصل الى لبنان والى الانسان ذاهباً الى الله وحده، ولا اريد له ان يحبط وحده.. اريد ان اشاركه شرف الكدح وفرح الوصول وبهجة الإحباط.. اذ كل من يسعى من اجل لبنان في الانسان ومن أجل الانسان في لبنان.. هو الى خير وان لم يصل.. وهو الى ابداع، يبدع ذاته وشركاءه على الطريق، وان تعرجت او انسدت، على ان هناك اجيالاً اخرى سوف تستأنف المسير.. ومن وثق بماء لم يظمأ".
من هنا حاول عبدوه قاعي في مقدمة هذا الكتاب، ذاهباً من الخاص الى العام عائداً من العام الى الخاص.. أن يأخذنا الى منزل التربية لنقول معاً، ان الناجع لغدنا هو ان نضع هذا الغد في عهدة المعنيين به أولاً، أعني الأجيال العالمة المتعلمة المفعمة بالأسئلة والرغبة في انتاج المعرفة المشتركة التي تدلها على ضرورة جعل البيت اللبناني، وطناً واجتماعاً ودولة وانساناً. في حالة انجاز دائم بالحلم المشروع وبالذاكرة المنقاة، اي التي هي حصيلة الماضي معرضاً للنقد تمهيداً لنقد الحاضر والمستقبل.. نقداً لا نقضاً. الى ذلك فإن المجال التربوي اذا ما تعددت شرفاته ومطلاته على المديات التي تشكل فضاءه فان ذلك يوفر كما يريد عبدو قاعي ويقول: "منظوراً انسانياً مستنداً اساساً على صورة الانسان المصنع والمعد لإحداث تغيير في موارد الحياة وطاقاتها وفي المحيط الطبيعي للانسان".على ما في المقدمة.
ويصر عبدو قاعي على المؤسسة كحيز فسيح ومحدد تكثر فيه الأبواب والنوافذ لتتراكم الخبرات والتجارب والمعارف لتقول: هل هناك نهوض؟ أم هي مراوحة وسكونية معرفية وعملية تتأتى من الاصرار والمكابرة على عدم الاعتراف بالخطأ او المرض ليزداد المريض مرضاً وموتاً؟
والمؤسسة، والتربوية منها خاصة، كما يريد الكتاب ان يقول: هي الناظم المعرفي والعلائقي الذي يعيد الفوضى الى الحرية بدل دفع الحرية الى الفوضى، ويحيل القانون والنظام الى انظومة حريات بمعنى الديموقراطية، بدلاً ان يكون النظام الغاء للحريات.. يقول عبد قاعي: "هل لنا ان نأمل في قيام نظم وضوابط اجتماعية ثقافية وتربوية جديدة من شأنها مواكبة مسيرة كل انسان بغية تمكينه من التحرر انسانياً. وذلك بالعمل على انماء ذاته بصورة دائمة. على طريق البحث عن الحقيقة والاعتراف بمكوناتها كقيمة ثابتة لا يعتريها التغيير والتبديل، وفي حالة خلق وابداع مستمرين"، أخشى ان يفهم احد ان عبدو يقول: ان الحقيقة ثابتة لا يعتريها التغيير من اي جهة.. في حين انه كان يقصد ان الحقيقة قارة ومستقرة ثبوتاً لا اثباتاً.. اما اثباتاً، اي المعرفة المتعددة والمتغيرة للحقيقة، فهي تستمد قيمتها من تغيرها، اي من البحث الدائم والدائب الذي يكشف بأن الحقيقة في مقام المعرفة بها هي سيرورة لا كينونة.. من هنا ضرورة ان تسود النسبية في عملية المعرفة وانتاج المعارف.. ومن هنا ان يكون المطلق حقاً وحقيقياً ومعروفاً غير معاند او مفارق لمعرفة العارف وان تعدد العارف او تغيرت وتعددت المعرفة.. ختاماً.. إن مزاجي اقرب الى الفن الذي يلابس الذاتي بالموضوعي.. منه الى الاكاديمي الذي يميز.. من هنا التمس العذر على هذه المقاربة التي تقربني من الكتاب اكثر مما تقدمه وشكراً.
.