.
هل الأديان عنصرية ؟
هل العنصرية فى نسيج المنظومة الدينية أم أنها واردة ومتقمصة للفكر الدينى .
هذا ما نحاول أن نتناوله فى هذا البحث للتنقيب عن بواطن العنصرية فى تكوين الأديان .
قبل التعامل مع المشرط فى تشريح الفكر والمنظومة الدينية من خلال النصوص والتاريخ
والتراث.. دعونا أولا نقدم مقدمة صغيرة عن فهمنا للظاهرة الدينية نشوءا وفكرا .
الأديان والألهة هى تكوينات تعطى للجماعات البشرية خصوصيتها وهويتها ..فنجد أن لكل جماعة بشرية كان لها الإله الذى يعبر عن ولائها الخاص للجماعة ..ويكون بمثابة الراية والعلم التى تلتف الجماعة البشرية تحتها ..وليس معنى ذلك أن هذا الإله بعيدا عن إحتياجات الجماعة البشرية فهو الذى يوليها الرعاية والعناية التى تترجاها كما تعتقد ..فإله النهر له أهميته كونه يوفر للقاطنين حول النهر إحتياجاتهم بينما لا يكون هذا
الإله مطلوبا فى مكان أخر يعتمد على الأمطار ليكون إله المطر حاضرا بقوة لتقدم له القرابين والصلوات .
إذن الدين هو صياغة لمشروع إجتماعى إنسانى يجمع البشر تحت الولاء لإله معين يتحول مع الترابط الإجتماعى إلى هوية وإنتماء .
من هنا تعددت الألهة وتعددت الأديان أيضا ..ليصبح الدين مشروع قومى عرقى قبلى
يمنح الجماعة توحدها وشخصيتها الخاصة والمتميزة .
ومع التنافس على موارد الحياة تولدت عملية إستقطاب حادة بين الجماعات البشرية ليكون
الصراع مكتسيا صراع إنتماءات وألهة بينما فى أعماقه صراع مصالح ووجود .
تولدت العنصرية الأولى فى الفكر الدينى على خلفية أن إله الجماعة هو الإله الحقيقى
وان الولاء له من خلال طقوسه يجعل الدين هو النسخة المعتمدة لدى الإله ,, وأن كل خارج عن دائرة الإنتماء للجماعة وبالتالى الإله هو خارج بالضرورة عن الإهتمام والرحمة اللإلهية .
قد يعتبر البعض أن هذا الأمر ليس من الأهمية بمكان لكى نعتبره فكرا عنصريا ...ولكن عندما تقدم كل جماعة إنسانية إلهها ودينها على أنها النسخة المعتمدة والصحيحة يبرز هنا علامة إستفهام كبيرة لتقول ما الذى يجعل غيبياتك صحيحة وغيبياتى خاطئة ..هل هو الإنتماء والهوية التى أشرت لها على التو ؟
ولكننا لن نتوقف كثيرا أمام عنصرية الأديان فى نظرتها إلى أن أتباعهم هم الرابحون فى العالم الإفتراضى أى فى العالم الوهمى الذى يتصورونه .
ليست هنا مشكلتنا ..فليتوهم من يتوهم طالما أنه يبنى هذه الأوهام فى مخيلته الخاصة ولكن المشكلة الكبرى عندما يسقط عنصريته على أرض الواقع ..وتكون هى رؤيته ضد الأخر فكرا وسلوكا .
الجماعات البشرية مارست العنصرية ضد الأخر من خلال النهج الدينى نفسه أو قل على وجه الدقة أنها صاغت الفكر الألوهى والدينى ليكون معبرا عن ولائها وإنتمائها ووحدتها ضد الأخر ..ليكون الأخر هو المجال الذى تمارس فيه العنصرية والهيمنة .
النص والتراث الدينى لن يرهقنا على الإطلاق فى أن نخرج منه بحمولة هائلة من الأيات
التى تدعو إلى رفض الأخر بكل عنف وممارسة العنصرية والتمايز عليه بشكل فج .
يكون النص الدينى العبرانى بكل حمولته نموذج سهل للباحث بالخروج بكم هائل من النصوص المشبعة بالعنصرية حتى الثمالة حتى أنك تصاب بالإشمئزاز والإندهاش من وجود نص يحوى كل هذه العنصرية والكراهية .
فى مداخلة قادمة سنتجول بين أرجاء النص ليجعلنا نتيقن بأن العنصرية هى فى النسيج الطبيعى لتكوين الدين .
وسيكون النص التوراتى هو سبيلنا لإدراك أن الأديان هى عنصرية بالضرورة .
.