Le blog du groupe Utopia-666, consacré à la culture et à la liberté d'expression, contre la connerie qu'essaie de nous transmettre le journalisme arabe d'aujourd'hui!
.
واضح أن النظام العربي الحاكم قد تجاوز أحوال القلق على استقراره، إلى ما يشبه اليقين بقرب انهياره، والأنكى من هذا أنه أوشك على اليأس من أية قدرة له على حماية مكتسباته، بل على الدفاع عن مجرد وجوده. تلك هي نهاية رحلة الانصياع الغبي لأوامر 'المجتمع الدولي' وسيدته أمريكا. فقد كان من مبادئ المشروع الشرق أوسطي الجديد، إبدال معظم العائليات الحاكمة التقليدية وأشباهها، بزمرٍ من الأغنياء الجدد الصاعدين إلى سطح الحياة العامة في مختلف أقطار العرب، مع طفرة فقاقيع النيوليبرالية العالمية.
غير أن الانفجار السريع لعصر هذه الفقاقيع بدءاً من وطنها الأصلي في وول ستريت / نيويورك، وانقشاع العنوان البوشي للأمبراطورية الأمريكية، لم تهدِّىء هذه المنعطفات الدولية من روع الحكام العرب، من خوفهم المتجدد على مستقبل عروشهم الراهنة، واستمرارية سلالاتهم إلى أبعد مستقبل ممكن. فالنظام المستبد مسكون بالخوف أصلاً، ولو لم تتهدده أخطار ماثلة، لأن أصحابه يدركون في قرارة أنفسهم، أنهم يملكون ما لا يستحقون، سواء من السلطة والزعامة، أو من المال وملذاته، وأنهم يفتقرون إلى أبسط شروط الكفاءة، في الشخصية والمعرفة وسلوكيات السياسة، وأنهم أبعد ما يمكن عن الكفاية في مقدرة القيام بأعباء المسؤوليات العليا للدولة، وقراراتها المصيرية، وأنهم يتحلون خاصة بأمية مطلقة إزاء كل شأن من شؤون مجتمعاتهم، فكيف بالنسبة لأحوال العالم حولهم.
النظام الاستبدادي الحاكم الخائف على مصيره يدلّه غباؤه المتعاظم، على آخر ملجأ لأمنه وأمانه،هو التحالف مع العبرية العالمية، بوسيلة التصالح الواقعي مع دولتها الإقليمية: إسرائيل. فالارتباط المباشر بالأمركة برهن على عدم جدواه في الأوقات العصيبة بالنسبة لمصالح السيطرة الكلية التي يُدمنها الزعماء الكبار في علاقتهم الضدية مع شعوبهم. هنالك بعبع الهول الأعظم المسمى بالديمقراطية. فقد لا يكون تغيير الرئاسة الأمريكية مطمئِناً، وإن كان الرئيس الجديد أوباما، لا يبدو مستعجلاً في استحضار بعض أشباح الديمقراطية، وفرضها على بعض الأنظمة. فهو منشغل أولاً بقلب صورة العدو التقليدي المطبوعة في الذهنية العربية عن إسرائيل وعن اليهودية عامة، إلى عكسها. وبالطبع فالمؤهلون الحاضرون لتقبل هذا الانقلاب هم أهل الحكم العربي. ليس ذلك طمعاً بمرضاة أمريكا فحسب، بقدر ما هو استجابة فورية للفوز بحماية القوة الإقليمية الجاهزة بكل عُدتها التدميرية المجرّبة. فقد شنت إسرائيل عدوانين همجيين على لبنان وغزة باسم المصلحة المشتركة المعلنة التي أصبحت تجمعها مع كبار حلفائها الجدد القدامى من أقطاب حكام الاعتدال (العربي)، ضد ظاهرة المقاومة الشعبية المتمثلة راهنياً بجناحيها الفلسطيني واللبناني، مضافة إليهما المقاومة العراقية التي بدورها أحبطت الغزو الأمريكي؛ وها هي منشغلة في تدمير ثمرته الخيانية العظمى، المسماة بالعملية السياسية، الآيلة من تلقاء ذاتها إلى مختلف أحوال التعفن بالفساد والدموية والتحلل الإنساني والحضاري المجاني.
هل نقول ان تبعية النظام العربي التقليدية لأمريكا، قد استنفدت رهاناتها، والأمنية منها بصورة خاصة. حتى لم تتبق ثمة طمأنينة لأصحاب العروش إلا في هذا الاصطفاف المباشر وراء جيش (الدفاع) العبري. هذا الاصطفاف الموضوعي، الذي يصير إرادويا من قبل قطبيه معاً، اليهودي والعربي، سوف ينقل وظيفية الدولة الاسرائيلية، من موقع الوكالة عن الغرب في قلب المشرق، إلى موقع النيابة أو الأصالة المؤسطرة عن ذاتها. تلك هي الدلالة (التاريخانية) للإعلان عن قانون إعادة تجنيس إسرائيل كدولة عبرية، لليهود فقط. فالتلمودية المطلقة هي الحاكمة اليوم باسمها الصريح. وأخطرُ مِراسٍ راهن لها يتجلّى في هَسْترة سياسة الاستيطان الحالي، وتصعيده إلى مستوى المعادل الاستراتيجي لليهودية العالمية الباحثة دائماً عن أرض إسرائيل من النيل إلى الفرات. بالمقابل يتطوع أرباب الحكم العربي في تقديم نظامهم مطية لتحقيق هذا الاستيطان الأكبر ما وراء كل حد وطني أو إقليمي في الجغرافية العربية.
فاللفظة الدبلوماسية المتداولة، التطبيع، تعني إعادة العلاقات العادية بين دول طبيعية قائمة في كيانها وحدودها المتعارف عليها. لكن التطبيع العربي مع إسرائيل هو امتداد لغزوها الاستيطاني إن لم يكن بالقوة العسكرية المباشرة، فسيكون بالسياسة والاقتصاد والثقافة، أي بما يحقق أهداف الاجتياح العسكري، ولكن بدون الدبابة والمدفع. فالتطبيع ليس أداة للسلام، ولكنه في حقيقته ليس سوى التطوع الغبي، من الجانب العربي، في إلغاء خطوطه الدفاعية الأخيرة، في وجه زحف المشروع الصهيوني العالمي، وحلمه التلمودي في استيعاب ثروات الوطن العربي وتدمير نهضته، باجتثات عواملها الحيوية والتاريخية واحداً بعد الآخر، من داخلها.
تجارب الصراع المريرة في الأمس واليوم مع العدو الاسرائيلي، تستخلص منها بعضُ العقول الحاكمة كلَََّ ما يناقض نتائجها البديهية الصارخة.
ولعل أسوأ ما توصل إليه المنطق الانهزامي هو أن مسالمة العدو أفضل سبيل إلى مداراة شروره. لكن أحداً من دعاة هذه الحكمة النيرة.. لا يمكنه أن يقدم لذاته ولشعبه أية ضمانة عما سيفعله الذئب إن فتحت له باب بيتك وآويته بين أهلك. هنالك ثلاث تجارب حية على الأقل، حافلة حتى اليوم بمآثر التطبيع الفعلي واليومي، تعيشها كل من مصر وبعض فلسطين و الأردن. لا حاجة إلى البيانات التفصيلية عن أحوال هذه الأقطار.
بالطبع ليست كل المساوئ هي من نتاج التطبيع، أو التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للتغلغل الصهيوني والمخابراتي منه تحديداً. لكن المحصلة العامة للمكشوف، وغير المكشوف وهو الأخطر والأفجع، لهذه التجارب الثلاث البائسة، لا يمكن عزلها أبداً عن الأفاعيل الاسرائيلية من وراء عناوين التطورات الرئيسية السلبية في معظمها على الصعيدين القطري والقومي.
نظام التطبيع الذي يُروّج له إعلامياً بقوة هذه الأيام، لن تكتب له السيطرة العاجلة ولا حتى الآجلة. لكن في ظل ضجيجه وصخبه المفتعل، قد يحدث عملياً أن ترتفع الكثير من العوائق النفسية والسياسية التي تؤخر حتى اليوم، استكمالَ شروط الانعطاف الاستراتيجي لبعض أقطاب النظام العربي عن الحليف الرئيسي أمريكا، نحو رديفه الحليف الإقليمي، إسرائيل ؛ فالظروف الموضوعية متوفرة لإنشاء حلف الخائفين من كلا الضفتين. كذلك تأتي المصالح الاقتصادية المستجدة لأصحاب نظام الحكم الأغنياء المسيطرين على شعوبهم من الفقراء وأشباههم، لتجد مجالها الحيوي رحباً مع أسياد المال، سواء في أوروبا أو أمريكا، وأغلبهم من الديانة المعروفة. في حين أن أسياد المال العربي ذي الأرقام الفلكية، ليسوا هم ملاَّكه الحقيقيين. إنهم أشبه بالوكلاء الرسميين على استثماراته وتحركاته، وأرباحه. لكنهم المتضررون المباشرون كذلك من خسائره الرهيبة، مع الأزمة العالمية.
هل يتصور المراقب العربي أن واحداً فقط من الترليونات المهدورة أو المسروقة هذه، لو تحوّل استثمارُه نحو الداخل، العربي هل كان سيبقى فقيرٌ أو محتاجٌ واحد في مجتمعاتنا المنكوبة. إلى هذا الحد المريع لم يستطع تاريخ الثورات الوطنية والقومية المعاصرة أن يثبّت صفة الملكية الشرعية على عناوين ثرواته المعجونة برمال صحاريه، و ضحايا حروبه الرهيبة، المدافعة عن ذهبه الأسود.
إنها رحلة الاستيعاب الأجنبي، وذروته الأخيرة التلمودي، لأوطان القارة العربية والاسلامية لمجتمعاتها في حاضرها ومستقبلها. هذه الرحلة لن تغلق فصولها قريباً إلا بقدر ما يمكن لهذه القارة أن تستعيد بعضُ طلائعها الصاعدة زمامَ المبادرة، وتحديداً في هذا الوقت الذي تكاد فيه سيدة التفوق الكوني نفسه، أمريكا، تفقد سيطرتها على قيادة أو سرقة أموال العالم، ومن ضمنه مالها (الوطني) الخاص. فلماذا يبالغ الحكام العرب في استسلامهم لكوابيس الخوف من المصير. في حين آن الأوان لإستعادة المراهنة على المصير العربي الشامل، كضامن وحيد لمختلف مجتمعاته، بأغنيائها وفقرائها معاً. فالحاجة إلى دعامة القوة لا تُطلب عند الذئاب، مهما تقنعوا بثياب الحملان. القادة العرب الانفصاليون بحكم العادة أو الإرادة، أو بهما معاً، مدعوون إلى أن يحتذوا بمثال الاتحاد الأوروبي. هذا الاتحاد لم يلْغ أي كيان دولاني قائم، بل أعطى لكل دولة منفردة قوى دول الاتحاد جميعها. لولا هذا الاتحاد لعصفت الأزمة العالمية بكل دولة أوروبية حسب ظروفها الذاتية، بل لولا دعم أغنياء الاتحاد لفقرائه، لأعلنت معظم دول أوروبا الشرقية إفلاسها.
القادة الممارسون لكل مساوئ الانفصال العربي، الحامون الفعليون والمزمنون لخارطته الجيوسياسية المشؤومة، هؤلاء هم المدعوون الأوائل لاستنهاض المشروع النهضوي العربي من عثراته. لا شيء يحررهم من كوابيس الخوف على المصير إلا بجعل مستقبلهم جزءاً من مستقبل أمتهم، وليس واحداً من أكبر عقباته، كما هو دوره حتى اليوم.
أمريكا تلملم ذيول إمبراطورياتها الكابية. وأوروبا تبحث مجدداً عن أصول ثقافتها الاشتراكية. وإسرائيل اللاجئة إلى يهوديتها التلمودية، تدرك أكثر من أي وقت أنه لا بقاء لها مع استمرارية عصر المقاومة العربية والاسلامية، إلا فيما يمكنها أن تستكمل استيلاءها على عقل النظام العربي الحاكم، وتسد آفاقه السياسية بأشباح الخوف والهلع المصطنع من رهانات المقاومة، فتجعله يلجأ إلى هذا الاصطفاف، الأكثر شؤماً وتعاسة في تاريخ السياسة العربية، مع التلمودية العالمية والإقليمية. هذا العقل الهرم يستسلم أخيراً لمنطق جلاده، عندما يجعل من الخوف وحده منبع كل برهان وكل حقيقة.
لكننا لن نتركه لأوهامه تلك. إذا ما استسلم لاغتيال ذاته، فلن نتركه يغتال عقل الأمة كلها مرة أخرى.
.