Le blog du groupe Utopia-666, consacré à la culture et à la liberté d'expression, contre la connerie qu'essaie de nous transmettre le journalisme arabe d'aujourd'hui!
-----------------
(يمكنكم الإطلاع على بقيّة مقالاتي على المدوّنة: http://utopia-666.org )

البارحة، دخلت في نقاش حادّ مع أحد زملائي في العمل حول موضوع الإسلام، حيث كان زميلي متحمّسا جدّا للدّفاع عمّا يسمّيه "الإسلام التّونسي المعتدل"، مع إستنكار شديد لما يحدث في سوريا والعراق، على سبيل المثال، والذي سمّاه "إسلاما متشدّدا". غضب زميلي كثيرا وإتّهمني بأنّي لا أعرف الإسلام (الأدهى والأمرّ أنّه هو نفسه لم يقرأ القرآن كاملا) وأنّ كلّ كلامي مجرّد ترديد لـ"شبهات" يطلقها "أعداء الإسلام" (أي المسيحيّون واليهود) لتشويه الإسلام. وإنتهى النّقاش بإنصرافه خاصّة بعدما تبيّن له أنّه لا أمل له في أن أغيّر موقفي من الإسلام. وكانت آخر جملة قلتها له: "ليس هناك أيّ فرق بين الإسلام المعتدل والإسلام المتشدّد. الإسلام واحد، وهو متشدّد إرهابي".
في الحقيقة، هذه ليست المرّة الأولى التي أحاول فيها فتح عيون النّاس وجعلهم يفهمون أنّ هذا التّقسيم الذي تلوكه يوميّا أعداد كبيرة من المسلمين ليس إلاّ خرافة لا أساس لها من الصّحّة وكذبة كبيرة إنطلت عليهم فصدّقوها وأخذوها كما هي وإستنبطوا وإخترعوا حُججا وفروقا بين هذين النّوعين من الإسلام لتترسّخ الخرافة أكثر فأكثر في أذهانهم، خاصّة وأنّ الأمور المتعلّقة بالإسلام هي أكثر المواضيع التي تداعب مشاعر المسلم وتنجح في إستمالته منذ الوهلة الأولى.
والأمر لا يتوقّف على طبقة معيّنة أو فئة ذات مستوى تعليمي أو ثقافي محدّد دون غيرها، فحتّى رجال السّياسة والإقتصاد والثّقافة أخذوا نصيبهم من هذا الشّعار، بل ذهب الأمر ببعضهم إلى تبنّي خطاب قد يتبادر إلى ذهنك وأنت تستمع إليه أنّ أصحابه يحتكرون الموضوع وقد يكون لديهم "تراخيص إلهيّة حصريّة" للحديث عنه. والسّبب يرجع في نظري إلى أنّه إذا أردت العيش والنّجاح في تونس (مثلما هو الحال في كلّ الدّول العربيّة التي تكثر فيها الأمّيّة ويعيش أغلب أهلها، حتّى المتعلّمين والمثقّفين منهم، على الخرافات، فترى طبيبا يؤمن بأنّ القرآن شفاء للأمراض، وترى إستاذا في اللّغة العربيّة يؤمن بأنّ القرآن معجزة المعجزات رغم ما فيه من أخطاء لغويّة واضحة وجليّة، وترى دكتورا في الفلسفة أو التّاريخ يؤمن بأنّ محمّد بن آمنة طار إلى السّماء السّابعة على ظهر بغل أو أنّ الشّهب المارّة في السّماء ترجم الشّياطين، إلخ) يجب عليك أن تلعب ورقة "الدّين" وتُظهر حدّا أدنى من التّديّن أو، على الأقل، إحترام الإسلام ورموزه من قرآن ورسول وصحابة ومساجد وأذان وشيوخ وأئمّة وفتاوى، وإلاّ فسيكون جزاؤك التّهميش والإبعاد والتّخوين والتّكفير وربّما يصل الأمر إلى قتلك.
منذ ثلاث أو أربع أيّام، فُتحت أبواب الحرب في "المجلس التأسيسي" التّونسي المنكبّ منذ أكثر من عامين على صياغة دستور جديد. حرب بسبب الفصل السّادس الذي صُودق عليه في المرّة الأولى بالصّيغة التّالية: "الدّولة راعية للدّين، كافلة لحرّيّة المعتقد والضّمير وممارسة الشّعائر الدّينيّة، حامية للمقدّسات، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة عن التّوظيف الحزبي"، ثمّ عُرض للمصادقة عليه في مرّة ثانية بعد حادثة تكفير نائب الجبهة الشّعبيّة منجي الرّحوي من قبل النّائب عن حركة النّهضة الحبيب اللّوز وتمّت إضافة فقرة أخيرة له تنصّ على أن "يحجّر التّكفير والتّحريض على العنف". ثمّ عُرض الفصل للمصادقة عليه في مرّة ثالثة بعد تصاعد وتيرة رفض تضمين "تحجير التّكفير" في الدّستور وصلت حدّ الإفتاء بعدم جواز المصادقة على دستور يتضمّن تجريم التّكفير.
أمّا عن الجهة التي أصدرت الفتوى فهي "هيئة التّدريس والبحث العلمي بجامعة الزّيتونة". نقرأ في مقال نشرته جريدة "الشّروق" التّونسيّة بتاريخ 22 جانفي 2014 (العدد 8244، ص 6) تحت عنوان"الهيئة العلميّة بالزّيتونة تتحفّظ على «حرّيّة الضّمير» وتستنكر «تحجير التّكفير»" ما يلي: "أصدرت هيئة التّدريس والبحث العلمي بجامعة الزّيتونة وبدعوة من النّقابة الأساسيّة وبعد إطّلاعها على الفصل السّادس من مشروع الدّستور، بيانا صحفيّا جاء فيه أنّ الهيئة تؤكّد على ضرورة إعتبار الشّريعة الإسلاميّة مصدرا أساسيّا للتّشريع، وإستنكارها تجاهل المجلس التأسيسي لمطالبها التي وقع إيداعها بمكتب الضّبط منذ أفريل 2013 المتضمّنة لدسترة المجلس الإسلامي الأعلى وإستشارة جامعة الزّيتونة في المسائل الرّاجعة لها بالنّظر. وأعلنت الهيئة عن تمسّكها بمقتضيات الفصل الأوّل من الدّستور الذي ينصّ على أنّ الدّين الإسلامي هو دين الشّعب والدّولة وهو ما يفرض تعريفا لحرّيّة المعتقد يتمّ تحديده بإحترام ثوابت الدّين الإسلامي ومؤسّساته الإفتائيّة والعلميّة الشّرعيّة التي من واجبها الحكم على جميع المظاهر المنافية أو المعادية للدّين الإسلامي." ثمّ نقرأ: "كما أكّد البيان تحفّظ هيئة التّدريس والبحث العلمي بجامعة الزّيتونة على إطلاقيّة عبارة حرّيّة الضّمير، ودعوتها إلى حذفها أو تقييدها بما لا يتعارض مع الفصل الأوّل من الدّستور وعدم إعتماد التّفسير القانوني الدّولي لها لما له في نظرها من نتائج خطيرة على وحدة البلاد بما يؤسّسه من فوضى طائفيّة ومفاسد أخلاقيّة وإشاعة الفتنة. إضافة إلى رفض عبارة «تحجير التّكفير» الواردة في الفصل السّادس والتي تتعارض مع واجب الدّولة ومؤسّساتها الدّينيّة والرّسميّة في تحجير المجاهرة بالكفر بما يتنافى في نظرها مع الأخلاق الإسلاميّة العامّة وما ينشأ عنه من إستفزاز لمشاعر المسلمين وإعتداء على المقدّسات. ودعا البيان إلى تجنيب المساجد التّوظيف الحزبي مع التّمسّك بحرّيّة الخطاب الدّيني داخلها في الإهتمام بالشّأن العام ومصالح النّاس." ثمّ نطالع في نهاية المقال: "ويُذكر أنّ عددا من أساتذة جامعة الزّيتونة إلتقوا في المجلس الوطني التأسيسي بعدد من النوّاب وناقشوهم في مضمون البيان في محاولة لتبليغ أصواتهم لرئاسة المجلس التأسيسي وتغيير ما يعترضون عليه من مضامين في مشروع الدّستور."
في الحقيقة، هذه الحادثة فضحت كلّ الأكاذيب والتّرّهات التي عشّشت في أدمغة التّونسيّيين منذ ما يسمّى "الثّورة التّونسيّة". لقد صدّعوا لنا رؤوسنا بالحديث عن "الإسلام التّونسي الزّيتوني المعتدل" و"تاريخ الإعتدال والتّسامح الذي يميّز تونس" و"إسلام الطّاهر بن عاشور" وغيرها من الأكاذيب، وها أنّ الواقع يفضح ما في خفايا نفوس شيوخ المزابل وتجّار الإسلام والمطبّلين لهم.
أوّلا، عندما نقرأ أنّ هيئة التّدريس والبحث العلمي بجامعة الزّيتونة (ولا أدري أيّ بحث علمي هذا الذي يرتبط بالدّين: هل يُجرون تجارب كيميائيّة على القرآن؟ هل يجرّبون أيّ الآيات قد تُشفي هذا المرض أو ذاك، حسب الخرافة الطّبّيّة المحمّديّة؟ هل الدّين علم أم ترديد ببّغائي ونهيق لا يخرج عن "إجماع أمّة الحمير"؟ هل الدّين يخضع لمبادئ البحث العلمي ومقاييسه أم أنّ الأمر لا يتجاوز إقحام كلمة "بحث علمي" عنوة في إسطبل الخرافة الإسلاميّة لإيهام النّاس وإكتساب مصداقيّة لدى المغفّلين والجهلة؟) "تؤكّد على ضرورة إعتبار الشّريعة الإسلاميّة مصدرا أساسيّا للتّشريع"، ماذا نفهم من ذلك؟ أليس هذا هو نفس المطلب الذي رفضه التّونسيّون عندما أتاهم به "حزب النّهضة" و"حزب التّحرير" وأحزاب إسلاميّة وسلفيّة أخرى؟ هل الشّريعة التي رفضها المثقّفون ورجال السّياسة عندما تكلّم عنها من ينعتونهم بـ"الوهابيّة" و"الإخوانجيّة"، رافضين أن يتضمّن الدّستور مظاهر متخلّفة وتعاليم بالية، معلين من شأن جامعة الزّيتونة ومشيدين بـ"الإسلام التّونسي المعتدل"... هل الشّريعة التي رفضوها حينها هي نفس الشّريعة التي يتكلّم عنها "علماء الزّيتونة"؟ بطبيعة الحال، الإجابة هي: نعم. هي نفس الشّريعة. فأين المنطق في تفكير من يرفض الشّريعة الإسلاميّة حين يقدّمها "الوهابيّون" و"الإخوانجيّة" ثمّ يقبل بنفس الشّريعة الإسلاميّة حين يقدّمها له من كان يشيد بـ"إعتداله" و"تسامحه"...؟ بعبارة أخرى، هل يُعقل أن يرفُض شخص مّا شرب كأس من السّمّ الصّافي من يد "عدوّه" ثمّ يقبل بشربه حين يقدّمه له من يعتقد أنّه "صديقه"؟ إذا كان إعتراض التّونسيّين على "تفاهة وإجرام الشّريعة الإسلاميّة" التي قدّمها لهم الوهابيّون والإخوانجيّة وحزب التّحرير، فليعلم أنّ الشّريعة الإسلاميّة واحدة وأنّها سواء جاءت من طرف الوهابيّين والإخوانجيّة وحزب التّحرير والسّلفيّون والتّنظيمات الإرهابيّة أو من طرف جامعة الزّيتونة، فهي في الحالتين نفس الشّيء، وفيها نفس الجرائم والتّفاهة وبنفس المقدار. الفرق الوحيد بينهما لا يكمن في التّفاصيل ولا في المبادئ ولا في الأحكام والحدود ولكن في توقيت التّطبيق. أمّا عن الطّريقة، فمن يريد تطبيق حدّ الزّنا الإسلامي ليس لديه خيارات متعدّدة، بل خيار واحد وحيد: الرّجم. ولتسألوا أيّ شيخ مزابل من جامعة الزّيتونة عن رأيه في تطبيق الحدود وهل أنّه يرى أنّ هذه الأحكام إنسانيّة أم لا ثمّ قارنوا ردّه بردّ أيّ شيخ مزابل من جامعة الأزهر أو من الوهابيّين أو من الإخوانجيّة وستعرفون أنّه لا فرق بين أفكار "الزّيتوني المعتدل" و"الوهابيّ" أو حتّى "الإرهابي المتشدّد".
ثانيا، حين نقرأ أنّهم يطالبون بـ"دسترة المجلس الإسلامي الأعلى" وبـ"إستشارة جامعة الزّيتونة في المسائل الرّاجعة لها بالنّظر"، ألا يُحيل هذا على مفهوم الدّولة الدّينيّة التي يكون كلّ شيء فيها مرتبطا بسلطة دينيّة عليا تتدخّل في كلّ شيء. هم يطالبون بالتّواجد أوّلا كمجلس إسلامي أعلى، ثمّ حين يصبح الأمر من تحصيل الحاصل، سيخرجون كلّ ما عندهم من شعارات وتعلات وقمامة وسيتدخّلون في كلّ شيء (رغم أنّهم جهلة وحمير) من الإقتصاد إلى السّياسة مرورا بالثّقافة (المنسيّة بطبيعتها في قعر إهتمامات الإنسان العربي المسلم) والتّعليم وشؤون المرأة، إلخ. إلى أن تُصبح تونس نسخة مطابقة للأصل من إيران أو أفغانستان. وتعلّاتهم الأبديّة في ذلك هي خرافة أنّ "الإسلام صالح لكلّ مكان وزمان" وأنّ "الإسلام دين ودولة"، إلخ. أليس الدّليل واضحا في المقال حين نقرأ أنّ الهيئة (الزّيتونيّة المعتدلة) المذكورة تعلن "تمسّكها بمقتضيات الفصل الأوّل من الدّستور الذي ينصّ على أنّ الدّين الإسلامي هو دين الشّعب والدّولة وهو ما يفرض تعريفا لحرّيّة المعتقد يتمّ تحديده بإحترام ثوابت الدّين الإسلامي ومؤسّساته الإفتائيّة والعلميّة الشّرعيّة التي من واجبها الحكم على جميع المظاهر المنافية أو المعادية للدّين الإسلامي"؟ إذن، الإسلام في نظرهم هو "دين الشّعب والدّولة" وليس "دين الدّولة" بمعنى "الشّعب" حسب التأويل المنافق الذي يعتمد على خدعة "حصان طروادة". ضعوها هكذا، فالدّولة في هذا السّياق تعني الشّعب... يا سلام. فإذا كانت الدّولة تعني الشّعب، فأيّ حماقة تجعلك تستبدل اللّفظ الثّاني بالأوّل؟ بطبيعة الحال، هذه ليست حماقة، بل نفاق وكذب وتزييف وتلاعب بالألفاظ، وهو فنّ أتقنه جرذان الإسلام منذ بدايات إنتشار الوباء الإسلامي. تقول لهم: "الإسلام لا يحترم حرّيّة المعتقد"، فيجيبون: "بل هو من كرّس حرّيّة المعتقد، وذلك بقول الله تعالى: «لكم دينكم ولي دين»". وتقول لهم: "فما قول الإسلام في المسلم إذا قرّر رمي الإسلام خلف ظهره وإعتناق دين آخر أو البقاء بلا دين؟" فتأتي إجابتهم: "يقول رسولنا الكريم: «من بدّل دينه فأقتلوه»". هذه هي حرّية المعتقد في الإسلام: أنت حرّ في إعتناق الإسلام ولكن إن خرجت منه فيجب أن تُقتل. أو: أنت حرّ في إعتناق أيّ دين تريد، فإن قرّرت إعتناق الإسلام فلا حرّيّة لك في الخروج منه". منطق الفأر والمصيدة.
ثالثا، إعترض البيان المذكور على إطلاقيّة عبارة حرّيّة الضّمير ودعا إلى حذفها أو تقييدها بما لا يتعارض مع الفصل الأوّل من الدّستور حسب التأويل الذي ذكرناه والذي يعوّض كلمة "الدّولة" بكلمتي "الدّولة والشّعب" مع بقاء الكلمة الثّانية غائبة لتظليل النّاس ولكي يتسنّى لـ"علماء الزّيتونة" إخراجها متى أرادوا. وإعتراضهم هذا دليل على خوفهم، لأنّ حرّيّة الضّمير أعمق وأشمل من لفظ حرّيّة المعتقد، فهي تشمل كلّ المجالات وكلّ نواحي الحياة الإنسانيّة. وهم يعرفون جيّدا أنّ "حرّيّة الضّمير" هي القشّة التي ستقصم ظهر الإسلام نهائيّا، لأنّها ستتيح لأيّ إنسان أن يتحدّث عن معتقده بحرّيّة وأن يقرأ من الكتب ما يريد وأن ينشر أفكاره متجاوزا الفكرة البالية التي تُلزم أيّ تونسي بإحترام الإسلام بتعلّة أنّه دين الأغلبيّة. فمن حقّه نقد الإسلام والسّخرية من خرافاته أيضا وهو حرّ في إعتناق أيّ دين أو رميها كلّها في سلّة القمامة. هذا زيادة على ما في لفظ "ضمير" من معان دخيلة على الإسلام الذي لم يكن يعرف منذ عهد محمّد بن آمنة إلاّ السّيف كطريقة للحوار، دون خجل أو وجل أو تأنيب ضمير. ولا أعتقد أنّ محمّد بن آمنة الذي إرتكب مذبحة بني قريظة ومذابح أخرى عبر تاريخه الدّمويّ الإرهابي كان يمتلك ضميرا أصلا.
رابعا، يقول شيوخ المزابل الزّيتونيّوّن المعتدلون بأنّ إقرار حرّيّة الضّمير في الدّستور ستكون لها "نتائج خطيرة على وحدة البلاد بما يؤسّسه من فوضى طائفيّة ومفاسد أخلاقيّة وإشاعة الفتنة". بطبيعة الحال، كلّ هذه الأسباب تعلات فارغة واهية وأكاذيب مفضوحة يضحكون بها على النّاس. ولو كانت حرّيّة الضّمير تهدّد وحدة البلاد، فلماذا لا نرى بلدانا مثل السّويد والنّرويج مفكّكة؟ لماذا لا نرى التّفكّك إلاّ في الدّول العربيّة "الإسلاميّة"، رغم أنّه ليست هناك دولة واحدة من بين هذه الدّول تعترف بحرّية الضّمير، فضلا عن إدراجه كمبدأ دستوري؟ لماذا لا نجد في فرنسا نفس الفوضى الطّائفيّة التي تعصف بدول مثل سوريا ومصر؟ ومن الذين يضرمون نيران الفتنة في سوريا؟ أليسوا شيوخ الإسلام من القرضاوي إلى راشد الغنوشي مرورا بالعريفي وغيره؟ وهل حصلت "الفتنة الكبرى" بسبب تبنّي المسلمين لحرّيّة الضّمير أم لأسباب متعلّقة بالسّلطة والمال والمصالح؟ أمّا عن المفاسد الأخلاقيّة، فالأسئلة لا نهاية لها. لماذا تقلّص حجم الجريمة في السّويد والنّرويج حتّى أنّه لم يعد هناك أيّ داع للإبقاء على السّجون وأصبحت هذه الدّول تفكّر في بيعها أو إستغلالها في أغراض أخرى؟ لماذا نجد أنّ أوّل الدّول في تفشّي ظاهرة التّحرّش الجنسي ليست المملكة المتّحدة ولا ألمانيا ولا إيطاليا ولا الولايات المتّحدة الأمريكيّة بل أفغانستان ثمّ مصر؟ ألا تخجلون من نفاقكم يا جرذان جامعة وجامع الزّيتونة المحفور...؟
خامسا، نرى أنّ "علماء الزّيتونة" يرفضون عبارة "تحجير التّكفير" ويقولون أنّها تتعارض مع واجب الدّولة ومؤسّساتها الدّينيّة والرّسميّة في تحجير المجاهرة بالكفر بما يتنافى في نظرهم مع الأخلاق الإسلاميّة العامّة وما ينشأ عنه من إستفزاز لمشاعر المسلمين وإعتداء على المقدّسات.
لنبدأ بمسألة المقدّسات. ليس هناك أيّ شيء مقدّس في هذا العالم عدا حياة الإنسان. ولو كان الإسلام يعترف بالمقدّسات لما وجدنا في القرآن إستهزاء بالأوثان التي هي مقدّسات بالنّسبة للوثنيّين وبعقائد المسيحيّين واليهود ولما وجدنا في الفقه الإسلامي أبوابا متعدّدة تتحدّث وتُفصّل مسألة الكنائس والمعابد الموجودة على الأراضي التي إستعمرها المسلمون فنجد أنّ مصير كلّ الكنائس هو الإزالة، سواء كان ذلك بالهدم المتعمّد (بناء على حديث "لا تجتمع قبلتان على أرض") أو بمنع التّرميم والصّيانة إلى أن تنهار بفعل القدم والإهمال. فإن كانت "المقدّسات الإسلاميّة" أحسن من مقدّسات الآخرين، فيجب أن تعترفوا بأن هذا المفهوم الإسلامي نازيّ فاشيّ لا يصلح ولا مكان له في زمننا هذا. وإن كانت كلمة "المقدّسات" تنطبق على مقدّسات كلّ الأمم والشّعوب فنحن ننتظر منكم إدانة لكلّ ما وقع في تاريخ الإسلام من هدم كنائس ومعابد وكسر تماثيل وتحطيم مقابر، إلخ. والأولى، في هذه الحالة، أن تنكبّوا على تنقيح قرآنكم (ولا أظنّه يقبل التّنقيح أصلا) وكتب فقهائكم وعلمائكم قبل أن تفتحوا أفواهكم وتطلقوا تفاهات لا تنطلي إلاّ على الجهلة.
أمّا "إستفزاز مشاعر المسلمين" فهو خرافة تريدون أن يصدّقها النّاس ولكنّكم أنتم أنفسكم لا تصدّقونها. ولو كانت لديكم مشاعر فعلا لإنقلبتم على الإسلام. ولكن، بما أنّكم ما زلتم مسلمين وتسترزقون من بيع الخرافات الإسلاميّة فهذا دليل على أنّكم توافقون ولا تشعرون بأي حرج ولا تتحرّك مشاعركم أصلا وأنتم تتلون سورة التّوبة والأنفال وما فيهما من تحريض على القتل والإرهاب أو تطالعون مثلا في كتب السّيرة ("السيرة النّبويّة" إبن هشام أو "البداية والنهاية" لإبن كثير...) كيف تمّ شقّ أمّ قرفة إلى نصفين لأنّها كانت تهجو رسولكم وكيف عذّب نبيّ الرّحمة النّضر بن الحارث حتّى مات وكيف أمر رسولكم بإبادة قبيلة بني قريظة وسبي نسائهم. كلّ هذا لا يحرجكم ولا تتحرّك مشاعركم عندما تطالعونه في كتبكم. ولكن مشاعركم المرهفة تشتعل عندما يقول أحدهم "يلعن دين ربّ الإسلام" مثلا أو يردّد ما يقوله الشّيعة من أنّ أمّ المؤمنين "عائشة قحبة" أو يرسم شيئا ترون فيه إستهزاء بدينكم... كم أنتم جرذان منافقون، يا شيوخ جامع وجامعة الزّيتونة...!
ثمّ ما هي الأخلاق الإسلاميّة العامّة؟ أليس هذا لفظا فضفاضا يجب أن تبيّنوه لنا وللشّعب التّونسي قبل أن تضعوه كتعلّة وقبل أن تعترضوا على فصل في الدّستور؟ وهل الأخلاق الإسلاميّة تفترض أن يذهب المرء في سفر ويترك زوجته ثمّ يعود إليها بعد أربع سنوات فيجدها قد ولدت للتّوّ فينسب الطّفل إلى نفسه دون أن يخامره أيّ شكّ في سيرة زوجته، لأنّ فقهاء الإسلام يقولون بأن فترة الحمل من عامين إلى أربع سنوات (وهي الحيلة التي أرادوا بها الخروج من ورطة كتب التّراث التي تقول أنّ محمّد بن آمنة ولدته أمّه بعد موت زوجها بأربع سنوات)؟ فبما أنّكم تتحدّثون عن الأخلاق الإسلاميّة، فيجب أن تعطونا توضيحا عن هذا الأمر.
أمّا عن تحجير التّكفير فأنا أتفهّم موقفكم. إذ لا يُعقل أن يكون كتابكم هو القرآن وتمنعون التّكفير. القرآن كفّر سكّان العالم بأسره ومحمّد كفّر كلّ مخالفيه والخلفاء إتّبعوه في ذلك، فليس من المعقول أن تتخلّوا أنتم عن هذا السّلاح الذي ورثتموه عن ربّ الرّمال ورسوله. فالإسلام مبني على التّكفير، بل يمكننا أن نقول أنّ التّكفير هو الإسلام، مثلما نقول أنّ الإرهاب هو الإسلام. ومن يعتقد أنّ التّكفير ليس من الإسلام، فهو كافر ويجب تكفيره. ومن يقرأ كتب الفقه يعرف جيّدا أن حدّ الكفر هو حدّ الرّدّة: القتل. وبطبيعة الحال، بما أنّكم علماء فلا أحد يملك الحقّ في مجادلتكم في هذا الأمر، لأنّكم قادرون على تكفيره هو أيضا. إذن، أنتم تدافعون عن حقّ إلهي أخذتموه من القرآن والسّنّة، لهذا لا أصدّق أيّ شيخ زيتوني عندما يتحدّث عن "الإسلام التّونسي" وعن "الإعتدال"، لأنّي أعرف جيّدا أنّكم من هواة "التّقيّة" أو الكذب الإسلامي الشّرعي، تجّار دين لا فرق بينكم وبين الإخوان المسلمين أو الوهابيّين أو الأزهريّين أو بن لادن والظّواهري وجماعة بوكو حرام والتّكفير والهجرة وغيرها من التّنظيمات الإرهابيّة. ففي نهاية الأمر، الإسلام الذي بدأ إرهابيّا مع محمّد بن آمنة لا يمكن أن يكون له وجهان مختلفان ولا أن يتغيّر ويتحسّن ولو بعد مليارات السّنين. وكلّ ما في الأمر أنّ شيوخ الإسلام يقسّمون الأدوار في ما بينهم في إطار المسرحيّة الإسلاميّة، فهذا يدّعي الإعتدال وذاك يتمسّك بالتّفسير الحرفي للقرآن والآخر يتحدّث عن تعطيل الأحكام حسب الظّروف ورابع يزعم أنّ الإسلام يحترم المرأة ويحفظ حرّيّة الإنسان وكلّها أدوار زائفة تؤدّي في النّهاية إلى "من بدّل دينه فأقتلوه..."
إذن، فليس هناك إسلام تونسي زيتوني معتدل ولا إسلام وهابي متشدّد. فالإسلام واحد، وهو إيديولوجيا إرهابيّة عنصريّة إستعماريّة لا ترضى إلاّ بقتل كلّ من يكذّب بها، ولكن علماء المسلمين وشيوخهم يطبّقون مبدأ "التّقيّة" فيكذبون ويجمّلون دينهم ويلفّقون ويخفون منه فضائحه وجرائمه وتحريضه على القتل ويتبنّون تأويلات "معتدلة" لآيات قرآنهم التي تدعو صراحة للإرهاب، وذلك طمعا منهم في كسب المزيد من الأتباع (وكأنّ كثرة العدد حجّة ودليل على صحّة المعتقد) أو للعب دور المساكين المضطهدين أو للفوز بحقوقهم في بلاد الغرب... ويكفي أن يحصلوا على تلك الحقوق أو أن يصبحوا أغلبيّة أو أن يتوفّر لديهم المال والسّلاح ليكشفوا عن الوجه الحقيقي لإيديولوجيا الإرهاب الإسلامي مستشهدين بآيات وأحاديث أخرى أو مصرّحين بالتأويلات "المتشدّدة" والحقيقيّة لقرآنهم وبما في سيرة رسولهم من جرائم... الإسلام هو الإسلام. الإسلام هو قتل قبيلة بني قريظة (يمكن مقارنته بما يحدث الآن في سوريا، مثلا) وقتل محمّد بن آمنة للنّضر بن الحارث بعد تعذيبه (ويمكن مقارنته بإغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي وجرائم أخرى كثيرة)... وأتحدّى شيوخ المزابل الزّيتونيّين "المعتدلين"، حسب الخرافة التّونسيّة، أن يدينوا ما قام به محمّد بن آمنة وأن ينعتوا أفعاله بما تستحقّ من النّعوت، إن كانوا صادقين في إدّعاء "الإعتدال"...
لكن السّؤال الذي يبقى مطروحا في إنتظار إجابة قد تأتي وقد لا تأتي فهو: كم من الوقت ومن الجهود ومن الضّحايا يجب أن نخسر حتّى يفتح الحمقى والجهلة والمغيّبون عيونهم وعقولهم فيروا الإسلام على حقيقته البائسة والمنافقة والبشعة والدّمويّة؟ ولكنّنا هنا لا نستطيع أن نعوّل إلاّ على أنفسنا وعلى الأقلّيّة المثقّفة التي ترفض النّفاق والكذب والتّزييف وتفضح كلّ ما في الإسلام من جرائم وإرهاب... وأملي أن تثمر جهودنا في أحد الأيّام فنشهد نهاية وباء الإسلام...